أنت تشاهد نسخة نصية فقط من هذا الموقع تستخدم بيانات أقل. شاهد النسخة الرئيسية للموقع التي تتضمن جميع الصور ومقاطع الفيديو.
هل يهدّد الذكاء الاصطناعي الوظائف التي تعمل فيها النساء أكثر من غيرها؟
- Author, سوزانا قسوس
- Role, بي بي سي نيوز عربي
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
تعمل سمر، وهي موظفة إدارية، منذ سنوات في إدخال البيانات وإعداد التقارير والرد على استفسارات العملاء، لكن مع دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى بيئة عملها، بدأت تتساءل إن كانت المهام التي تنجزها يومياً ستظل بحاجة إلى تدخُّلها، أم أن الآلة ستتمكن من القيام بها في وقت أقصر وبتكلفة أقل، تاركةً إياها أمام مستقبل مهني غير واضح.
يتوسّع استخدام الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة، ما يتيح فرصاً جديدة للعمل والإنتاج، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات بشأن تأثيره على النساء في سوق العمل.
فبينما تتزايد المخاوف من أن تحل التقنيات الجديدة محل بعض الوظائف التقليدية، تواجه النساء تحدياً إضافياً يتمثل في محدودية تمثيلهن في الوظائف التقنية الناشئة، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان ازدهار صناعة الذكاء الاصطناعي سيخلق فرصاً متكافئة للجنسين أم سيعمّق الفجوة القائمة بينهما.
تشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن 29 في المئة من الوظائف في المهن التي تهيمن عليها النساء مُعرَّضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي التوليدي، مقابل 16 في المئة في المهن التي يهيمن عليها الرجال، فيما تبرز نسبة 16 في المئة (للمهن التي تسودها النساء) مقابل 3 في المئة (مهن يسودها الرجال) عند النظر إلى فئات الوظائف الأكثر عرضة للأتمتة.
وفي مؤشر آخر إلى فجوة الفرص، أفادت بيانات لينكدإن بأن النساء شكّلن 26 في المئة فقط من المعينين في وظائف الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة عام 2025، مقابل 50 في المئة من المعينين في الوظائف الأخرى، بينما شغلن 13 في المئة فقط من مناصب الإدارة التنفيذية العليا في شركات الذكاء الاصطناعي عبر 27 دولة.
قبل أيام، نشرت صحيفة الغارديان مقالاً بعنوان: "قطاع الذكاء الاصطناعي يزدهر والنساء تتهمّش" يتناول المقال الفجوة بين التوسع السريع في قطاع الذكاء الاصطناعي ومشاركة النساء فيه، سواء من حيث فرص التوظيف أو الوصول إلى المناصب القيادية.
ويحذّر المقال من أن النساء قد يواجهن تحديين متزامنين: تَركُّزُهن في بعض الوظائف الإدارية والخدمية الأكثر عرضة للتأثر بالأتمتة، مقابل ضَعف تمثيلهن في الوظائف التقنية الجديدة التي يخلقها القطاع.
وتدعم تقارير منظمة العمل الدولية هذا القلق.
في حديث لبي بي سي، تقول آيا جعفر، الخبيرة في اقتصاد العمل في منظمة العمل الدولية، إن تعرُّض النساء لتأثير الذكاء الاصطناعي يرتبط إلى حد كبير بتوزيعهن على المهن المختلفة، إذ تتركز نسبة كبيرة منهن في الوظائف الإدارية والمكتبية والمساندة للأعمال، والتي تتضمن "مهام روتينية" يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أتمتتها بدرجة أكبر.
وتضيف أن النساء لا يزلن أقل تمثيلاً في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والعلوم والهندسة والرياضيات، ما قد يحد من استفادتهن من فرص العمل الجديدة المرتبطة بالتحول الرقمي.
كما حذّرت آيا جعفر من أن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تستند إلى بيانات "متحيزة" أو غير مكتملة قد يعزز أوجه عدم المساواة القائمة بين الجنسين، بما في ذلك في التوظيف والأجور والتقدم الوظيفي.
وبحسب تقديرات منظمة العمل الدولية، فإن 5.3 في المئة من الوظائف التي تشغلها النساء في المنطقة العربية معرّضة بدرجة مرتفعة للأتمتة باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، مقارنة بـ1.6 في المئة من الوظائف التي يشغلها الرجال.
لكن المنظمة شدّدت على أن هذه الأرقام لا تعني أن هذه النسب من النساء ستفقد وظائفها بالفعل، موضحة أن "التعرض المحتمل للأتمتة لا يعني بالضرورة فقدان الوظيفة"، إذ يعتمد التأثير الفعلي على كيفية إدماج هذه التقنيات في أماكن العمل ومهارات العاملين والظروف الاقتصادية والتنظيمية المحيطة.
وأشارت المنظمة إلى أن الوظائف الروتينية والمتكررة، بما فيها الأعمال المكتبية العامة وإدخال البيانات والمبيعات وخدمة العملاء، من بين الوظائف التي قد تواجه ضغوطاً أكبر نتيجة التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، وأن قطاعات مثل الخدمات العامة والصناعات التحويلية الأساسية وتجارة التجزئة قد تشهد تراجعاً في بعض الوظائف في ظل سيناريوهات إدماج التكنولوجيا التي تناولتها نماذجها الخاصة بالمنطقة العربية.
في مايو/أيار 2026، أصدرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) ومنظمة العمل الدولية - تقريراً مشتركاً يستشرف مستقبل الذكاء الاصطناعي وسوق العمل في المنطقة العربية حتى عام 2035.
وقدّر التقرير أن نحو رُبع الوظائف في المنطقة قد يتأثر بالذكاء الاصطناعي التوليدي، سواء من خلال احتمال تراجع بعض الوظائف أو تعزيز أداء العاملين أو ظهور وظائف جديدة. وحذّر من أن الأتمتة قد تقلّص فرص العمل في الوظائف المكتبية والروتينية.
وفي المقابل، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزّز قدرات العاملين بدلاً من أن يحل محلهم بالكامل، إذ قد يساعدهم على إنجاز المهام بكفاءة أكبر، وتولي مسؤوليات أكثر تعقيداً، واكتساب مهارات جديدة، وفق منظمة العمل الدولية.
وتقدر المنظمة أن 22.7 في المئة من الوظائف التي تشغلها النساء في المنطقة العربية يمكن أن تستفيد من هذا النوع من التطوير.
غير أن آيا جعفر، الخبيرة في اقتصاد العمل في منظمة العمل الدولية، تحذّرمن أن "زيادة الإنتاجية لا تؤدي تلقائياً إلى وظائف أفضل أو أجور أعلى"، موضحةً أن ذلك يتوقف على كيفية إدخال التكنولوجيا إلى أماكن العمل، ومدى تقاسم المكاسب الناتجة عنها مع العاملين.
وتدعو المنظمة إلى معالجة العوائق التي تحدّ من فرص النساء، بما فيها التمييز وعدم المساواة في توزيع مسؤوليات الرعاية والعمل غير مدفوع الأجر وفتح مسارات أمامهن للوصول إلى الوظائف المتنامية والأعلى جودة، بما فيها الوظائف المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
كذلك، يرى المختص في مجال الذكاء الاصطناعي، إبراهيم الجراح، أن النساء قد يكنّ أكثر عرضة لتأثيرات الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، ليس بسبب نقص في الكفاءة أو القدرة على مواكبة التطور التكنولوجي، وإنما نتيجة طبيعة الوظائف التي تشغلها نسبة منهن، ولا سيما الوظائف الإدارية والمكتبية وخدمة العملاء ومعالجة البيانات، التي تعتمد على مهام متكررة يمكن للتقنيات الجديدة تنفيذها.
ويقول الجراح لبي بي سي، إن تأثير الذكاء الاصطناعي لن يقتصر على اختفاء بعض الوظائف، بل سيمتد إلى تغيير طبيعة العمل في وظائف أخرى، مع ظهور فرص مهنية جديدة.
ويوضّح أن الوظائف التي تعتمد بدرجة كبيرة على المهام المتكررة قد تتراجع الحاجة إليها، بينما يمكن أن تتحول مهام العاملين في وظائف أخرى من إدخال البيانات وإعداد التقارير إلى تحليل النتائج والتحقق من دقتها والمساهمة في اتخاذ القرارات.
ويُضيف: "نحن لا نشهد أتمتة الوظائف فحسب، بل إعادة توزيع للمهام بين الإنسان والآلة".
هنالك دراسة اقتصادية شاركت في إعدادها الخبيرة الاقتصادية ستيفانيا ألبانيزي، بحثت تأثير الذكاء الاصطناعي في توظيف النساء في 16 دولة أوروبية بين عامَي 2011 و 2019.
وقد خلصت إلى أن حصة النساء من إجمالي العاملين ارتفعت في المتوسط بين المهن الأكثر تعرضاً وتأثراً بهذه التقنيات، تحديداً داخل الدول التي تتمتع فيها النساء بمستويات تعليم ومشاركة اقتصادية أعلى، وفق الدراسة المنشورة في دورية الجمعية الاقتصادية الأمريكية عام 2025.
ومن وجهة نظر الجراح، لا تقتصر الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي للنساء على الوظائف التقنية المتخصصة، بل تشمل قطاعات مثل التعليم والصحة والتسويق والخدمات المالية.
كما يمكن أن يفتح المجال أمام العمل عن بُعد وريادة الأعمال، إلى جانب فرص في تحليل البيانات وتطوير التطبيقات والأمن السيبراني وحوكمة الأنظمة الذكية.
ويؤكد أن الاستفادة من هذه الفرص لا تعني بالضرورة أن تتجه جميع النساء إلى تعلّم البرمجة بشكل خاص، بل أن يكتسبن القدرة على استخدام الأدوات اللازمة: "المهارة الأهم في المستقبل لن تكون مجرد القدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بل القدرة على طرح السؤال الصحيح وتقييم الإجابة واتخاذ القرار المناسب في مجال العمل".
لكن، يحذّر الجراح من أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم في توسيع الفجوة بين النساء والرجال في فرص العمل والدخل، إذا تركزت النساء في الوظائف الأكثر عرضة للأتمتة، بينما تقل فرص وصولهن إلى التدريب التقني والوظائف المتخصصة والمناصب القيادية.
ويُشير إلى أن الخطر لا يرتبط فقط بتغير طبيعة الوظائف، بل أيضاً باحتمال انتقال أوجُه التحيز القائمة في سوق العمل إلى الأنظمة الرقمية، خصوصاً عندما تعتمد أدوات التوظيف وتقييم الأداء على بيانات تاريخية تعكس تفاوتات سابقة بين النساء والرجال.
ويقول الجراح: "الخطر الحقيقي ليس في أن يكون الذكاء الاصطناعي متحيزاً بطبيعته، بل في أن نسمح له بالتعلم من أوجُه عدم المساواة والتحيز الموجودة في مجتمعاتنا، وإعادة إنتاجها على نطاق أوسع في الوظائف الجديدة".
في ظل هذا التحول، لا يتوقف مستقبل النساء في سوق العمل على مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء مهامهن، بل يتوقف أيضاً على قدرة المؤسسات والحكومات على تهيئة بيئة تتيح لهن مواكبة التغيير.
فبينما قد تفتح التقنيات الجديدة أبواباً لفرص مهنية مختلفة، قد تؤدي أيضاً إلى اتساع الفجوة بين من يمتلكن المهارات اللازمة للاستفادة منها ومن لا تتاح لهن فرص التدريب والتأهيل.
أما في المنطقة العربية، فيبقى التحدي في ضمان ألّا تتحول "ثورة الذكاء الاصطناعي" إلى عامل جديد يحدّ من فرص النساء الاقتصادية، بل إلى أداة تُوَسّع مشاركتهن في سوق العمل.